نار ونور – الرأي العام وتعديلات قانون الصحافة

ربيع عبدالعاطي

د. ربيع عبدالعاطى عبيد
* يبقى الرأي العام من المسؤوليات الجسيمة والخطيرة التي يجب تحملها من قبل الدولة والمجتمع في آن واحد ، ومخطئ من يظن بأن مثل هذا الشأن بالإمكان تركه للصحافة الخاصة ، أو وسائط الإعلام المختلفة سواء كانت مملوكة للقطاع العام ، أو الخاص ، ذلك لأن الرأي هو صنو لمعرفة الماضي والحاضر ، وهو الذي يتحكم في مآلات المستقبل إذ لا فائدة في دولة لا رأي للذين يتولون شأنها ، ولا خير في مجتمعٍ وقياداته في شغلٍ ، ولهوٍ بعيداً عن رأي سديد ، وموقف مشرف ، ومشروع يعود بالخير للجميع.

* ومن غير المنطق أن تنشغل الأوساط الصحافية والإعلامية بالتعديلات المزمع إجراؤها على قانون الصحافة والمطبوعات بالتركيز على العقوبات كما لو أن كل الذين يعملون في الصحافة سيقعون في الخطأ وستطالهم العقوبات ، ويصبح معظمهم تحت طائلة الجزاءات .

* وعلى ضوء الحال المرئي للمؤسسات الصحافية ، ولأحوال الصحافيين المزرية ورواتبهم الضعيفة ، ، ومراكز الناشرين المالية التي ليست لديها القدرة على الصمود ، حيث يجبن رأس المال من الخوض في الإستثمار في مجال الصحافة ، فأن المؤسسات الصحافية قد أصبحت تحت رحمة الأفراد غير القادرين ، وبالتالي تحولت المهنة الصحافية إلى مهنة من لا مهنة له ، وإنشغلت الدولة عن الرأي فسادت في المجتمع التصورات الغريبة ، وراجت الأخبار الكاذبة ، وطغت وسائط التواصل الإجتماعي مجهولة المصدر من حيث الذي يستغلها ، أو المجتوي الذي تعتمد عليه ترويجاً وبثاً .

* وإذا كان الرأي العام مهوىً وهدفاً للإصحاح وللتصحيح ، وبعيداً عن الإنحرافات والتشوهات فإن هذه المهمة ينبغي ألا تنسل عنها الدولة التي هى في الأساس من أجل القيام بأمر مجتمع ، والنهوض بتقديم الخدمات له ، والسعي نحو تطوره .

* فالرأي عندما يكون قبل شجاعة الشجعان ، بأن يحتل المرتبة الأولي ثم تأتي بقية الهموم في المراتب اللاحقة ، فإنه هو الذي يضمن نزاهة التعاطي ، وعدالة الحكم ، وطهارة المجتمع ، كما هو الضمانة الأكيدة لممارسة الحرية بمسؤولية من غير تجاوزٍ ولا إعتداء .

* وإذا أردنا أن يقود الرأي المجتمع ، ويكون سنداً للدولة ، ومعيناً للحكام ، فإن المؤسسات العاملة في مجال إصدار الصحف ، وبث الكلمة ، وتوجيه الخطاب لابد أن تكون مؤسسات قادرة ومتمتعة بكل الإمكانات التي من شأنها ان تجعل مثل هذه الكيانات في وضع تتميز فيه بالقوة والإقتدار من حيث السعات المالية ، والمهنية ، والتنظيمية ، وغيرها من عناصر لازمة للإضطلاع بهذا الشان الخطير.

* والقانون الذي يتيح للصحافة القيام بدورها لا بدَّ أن يركز على الجوانب التالية:-

1- الدعم المالي والتدريبي للصحافة من قبل الدولة ، وتوفير البنى التحتية لها من مطابع ، وتسهيلات ، ومدخلات ، وبرامج تأهيلية .

2- أن يكون رأس المال العامل في الصحافة كافياً لمزاولة هذا النشاط الذي يوجه لتطوير الدولة ، ونماء المجتمع ، وإشاعة الوعي ، والتوجيه ، والإرشاد .

3- أن يكون الناشر من أصحاب السعة ، والقدرة على توسيع مساحات النشر بمواصفات دقيقة ، وبمعايير تحدد الكفاءة اللازمة لمن يرتاد هذا المجال .

4- ورؤساء التحرير ، والصحافيون ، والكتاب الذين يرفدون الصحف بكتاباتهم ، وموادهم لا بدَّ أن تحتل مواصفاتهم مكاناً لائقاً وهاماً في بنود قانون الصحافة والمطبوعات.

5- كما أن شهادة المهنة الصحافية من الواجب أن تسند لجهة علمية ، ومتخصصة ويترك القيد الصحافي للسجل الذي تعتمده نقابة الصحافيين وهذا يعني وجوب الفصل بين الشهادة ومن يحملها ، وبين الذي لا يمارس المهنة وذلك الذي يتسجل في سجل معترف به من قبل نقابة الصحافيين .

* وفيما لو صدرت الصحافة عن مؤسسات ، ودعمت من الدولة ، وأقيمت لها بنية أساسية ، وعمل في أروقتها مؤهلون ، وخبراء ، ومهرة من الصحافيين والكتاب وإتضحت لهم شروطٌ للخبرة ، وتمتعوا بالكفاية ، وقضيت لهم الحاجات والضروريات فإن كل ذلك سيقود نحو صحافة حرة ومسؤولة ، ومؤسسات يحق لها أن تتصدي لتشكيل الرأي العام ، وعندئذ لا خوف من عقوبات ، ولا خشية من سلطات ، وذلك يحدث عندما تتساوى الأكتاف .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.