نار ونور – الإصلاح يبدأ بتوزيع المهام

ربيع عبدالعاطي

د.ربيع عبدالعاطى عبيد

* عندما يهم شخصٌ بإنشاء مشروعٍ ، صغيراً كان أم كبيراً ، فإنه لا يسند أمر الإنشاء والتصميم لشخص واحد ، إذ لا يعقل أن يكون المصمم والمنفذ جهة واحدة بل إعتادت البيوتات الهندسية أن تضطلع بالرسومات والتخطيط مكاتب يعمل بها مهندسون ورسامون كل حسب تخصصه كما أن المنفذين لابّد أن يكون بينهم المدنى والمعمارى إضافة إلى فنيي المبانى وعمال المناولة وأطقم السباكة والكهرباء وغيرهم من الذين يضطلعون بأعمال الديكور وجوانب جماليات المبنى أو المشروع من الداخل والخارج .

* وهذا يعنى أن المشاريع أو حتى المنازل التى عكف على بنائها وتنفيذ ما خطط على الورق لإكمالها ، لا يحيلها إلى أرض الواقع أشخاصٌ يمتهنون مهناً مزدوجة ، ولكن يُعطى كل عمل ، ووظيفة ، ومهمة لمن برع فيها ، وأثبتت التجربة بأنه من الحاذقين لها ، والعالمين بأصولها .

* أما بناء الدولة وصياغة المجتمع ، فهو أكثر دقة وضبطاً مما ذكر آنفاً ، بحكم أن الدولة الحديثة لا ينفرد ببناء مشروعاتها ، وإدارة وزاراتها أشخاص يعملون هنا وهناك ويرأسون شركة ، ويشرفون على أمانات حزب ، ويشغلون منصباً وزارياً ، ويصنعون السياسات بهيئة للشورى ، ولا مجال ليحاسبهم أحد ، فهم الخصم والحكم ، والمحيط بكل حركة وسكنة ، ولا معقب عليهم فى قرارٍ أو إجراء .

* ووثيقة الإصلاح التى وضعها المؤتمر الوطنى بعد نقاش كثيف ، وحوار إمتد لأكثر من عام ونصف العام ، نصت على ضرورة توزيع المهام ، وعدم إزدواجية المناصب ، وتحديد الفترة الزمنية بسقوفات واضحة لمن يشغلون المناصب السيادية والوزارية ، ولكن عندما دقت ساعة تطبيق هذه النصوص حدث إنحراف عنها ، فأطلت من جديد الإزدواجية برأسها ، وزحف أناس نحو النص القاطع ، والبند الواضح وجعلوه كأن لم يكن ، ولا أدرى كيف فعلوا ذلك ، وكيف سمح لهم بأن يركبوا أكثر من سرج بالرغم من القاعدة الفقهية المعروفة بأن لا إجتهاد مع نص .

* وهذه البلاد على مر تاريخها ، كانت شهادة الإخوة والأشقاء لنا ، بأننا لا ندعى معرفة شئ ، ولا نتجنّى على وظيفة ، ونحن لا ندرك أسسها ومطلوباتها ، بدلالة أن المدرس فى المملكة العربية السعودية ، مثلاً أصبح مشهوداً له بالعلم والأمانة ، والمحاسب بالدقة والمهارة ، والسائق بحفظ السر وعدم التهور ، وحتى الراعى الذى يرعى الغنم ، أصبح مثلاً يحتذى به فى محيط الصدق والتجرد ونكران الذات ، إلى درجة أن قصة الراعى السودانى الذى رفض الرشوة إمتثالاً لخلق تربى عليه ودين شب ومال إليه قد ملأت الأسافير .

* وفيما لو إنتهجت الدولة وقياداتها ذلك المنهج القائم على إعطاء الخبز لخبازه ، والمهنة لصاحبها ، وأى تخصص لمن تخصص وبرع فيه ، لعانق هذا المجتمع عنان السماء ، ولناطحت الدولة ذرى المجد .

* أما إذا زعم فرذدق منا بأنه هو الذى يبدئ ويعيد ، وهو الذى يقرر ويوجه ، فلعمرى بأننا سنعود جميعاً بعد طول التجربة ، وعظيم التضحيات ، بخيبة الأمل ، ومرارة الفشل ، وألم الحرمان .

* ويقينى بأن المؤتمر الوطنى فيما لو أقدم على جمع وإعادة ترتيبٍ للأوراق ، وإحصاء للكوادر ، لوجد فى مستودعه من يخطط ويسوس ، ومن ينفذ فينجز ، ومن يشرف فيحفظ المال ، ومن يرعى المجتمع ، ويصونه من الإنحراف والزيغ ، ولما إحتاج لأشخاصٍ أكثرهم من المدعين ، أو الفراعنة ، ذلك لأن الفرعون قد يشغل منصباً بجهل ، وقد يرأس قوماً وهم له كارهون ، وقد يرى رأياً وليس فيه إلا الفساد ، فالفرعون لا يهدى إلى حق لكنه يقود نحو الباطل بحكم أن تركيبته قائمة على الإستكبار والطغيان .

ولعن الله الذى يقول إزاء كل أمرٍ (( لا أريكم إلا ما أرى ولا أهديكم إلا سبيل الرشاد ))

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.