نار ونور – حلاوة الحرية وطلاوتها وحدود مساحاتها

ربيع عبدالعاطي

د.ربيع عبدالعاطى عبيد

* إنّ أتعس اللحظات التى تّمر بالشخص ، عندما يجد نفسه محاطاً بأسوارٍ ومكبلاً بقيود ، ولا تتاح له الحركة إلا فى مساحة محدودة ، ولا يسمح له بالتعبير حيال ما يكره ، وما يحب إلا فى نطاق ضيق ، لا يمكنه من الإفصاح عما يدور فى خلده ، ويعتمل فى دواخله .

* والإنسان عندما يجد نفسه في مجتمعٍ يختلف عنه فى التفكير ، ويتباين معه في وجهات النظر ، سرعان ما يهرب من هذه البيئه ، وينجو بجلده ، وهؤلاء يشبهون ما يركل الأرض الى تربى بين جوانبها ، والأهل الذين أحاطوه بالرعاية والعناية ، عندما يحس بأنّ هناك من يتربص به الدوائر ، ويتلمس الأسباب ، ويحاصره من كل جانب ، مانعاً أياه التمتع بحريته فى العمل ، والحركة ، وإقامة العلاقات.

* والحرية ، لا تعني أن يفتح الباب على مصراعيه ليقول المرء ما يشاء ، ويفعل الذي يمور في مزاجه ، فهذه هى الإساءة الحقة لقيمة الحرية والتشويه المتعمّد لمعانيها ، وذلك لأن الذى لا يطيق الحدود ، ويرغب التحرك في كل المساحات ، إنما هو بهذه الشاكلة لا يتميز عن حيوان مفترس ، أو كلب عقور ، وهنا تنزع منه خصائص الإنسانية ، وسمات التكريم العلوي ، وما يميزه من ضوابط رفيعة ، وخصائل حميدة .

* والذين يتمتعون بالحرية ، هم أولئك النفر ممن يحترمون خصوصيات الآخرين ، فلا يفشون سراً ، أو يفعلون ما حرم عليهم ، حتى وأن كان حلالاً لمن هم دونهم ، وما أجمل الحرية عندما تمارس من قبل أهل الحق ، ومثلها كالذى يأكل من ماله ، ويحافظ على عرضه ، ويتقيد بقيود فرضها على نفسه ، ولم يفرضها عليه أحد ، لكنه فعل ذلك لإتاحة مساحة لمن يعيشون معه ، فلا يكبلهم بمثل ما لا يريد أن يكبل به نفسه ، ولا يقيدهم برغبة له ، وهم حيال تلك الرغبة ساخطون وكارهون .

* والمتذوقون لطعم الحرية ، لا يستطيعون العيش في أجواء ملبدة ، ولا يتمكنون من الإستمتاع بالحياة عندما يحيط بتصرفاتهم الطغيان والإستكبار .

* فالرجل الذي يتخيل بأنه يمارس حريته فلا يتيح لخاصته من الأسرة كوة بها يتنفسون ، أو باباً من خلاله يدخلون ويخرجون ، فإنه لا يمارس الحرية حسب أصولها ، لكنه بهذا المسلك يكون قد عكس مفهومها ليصبح شكلاً من أشكال التكبر والإستبداد .

* والزوجة التي تحاصر زوجها بالمطالب التى ليست في حدود ما يستطيع هى زوجة تسعى بظلفها نحو حتفها ، والطلاق الذى شاع فى هذه الأيام من أغلب أسبابه ، النزوع من أحد طرفى الزوجية نحو كتم الأنفاس ، وتحميل الطرف الآخر ما يقدح فى حريته ، سواء ما يتصل بالحركة ، أو السكون دون مراعاة لحالة مالية ، أو ظرف إقتصادي ، أو خلاف ذلك من عوامل نفسيه كان ينبغي أن يكون لها ألف حساب .

* والذين يعتقدون أن الحرية ، لهم وليست لسواهم ، هم من أكثر النّاس فقداناً لخاصية الإحساس بالجمال والإطمئنان ، ذلك لأن العدل عنصر من عناصر الحرية ، والسماحة جزء منها ، وإيثار الآخرين على النفس قيمة عليا لا تقدح ولا تتنافى مع مفاهيمها .

* وبناء على ذلك فإن الحرية ليست شأناً منبتاً لا علاقة له إلا بمن يفكر في كيفية الإستمتاع بها ، لكنها ذات علاقة بالفرد والمجتمع والحاكم والمحكوم ، ولا ينبغي أن يدعي أحد بأن حريته هى التي تقيد الآخرين ، بل هى الحرية التى تقف دائماً عندما يحس المرء بأنها هى المحطة القصوى التي توجب عليه ألا يتعداها .

* وما أجمل الحرية عندما تكون فى أطر معلومة ، وحدود مفهومة بلا تجاوز لوسع ، أو إعتداء بغير وجه على حدود الحق والدين .

* وما أصدق قول الحق تبارك وتعالى : ((وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)) سورة المؤمنون الأية (7) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.