عمود\ من المسؤول ؟ – (37) القرقرة والخرخرة في الانتخابات !

أبي عزالدين عوض

م.أبي عزالدين عوض

في أحد الحوارات التلفزيونية مع الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، تم سؤاله عن رأيه في الاتهامات التي تكال إليه بأنه ديكتاتوري لا يستمع لرأي أحد.
ضحك القذافي ساخرا، وقال: *”ياريتني كنت دكتاتور، على الأقل كنت نفذت اللي في رأسي من أفكار لتطوير البلاد بدون معارضة تعيق قراراتي وتعطل عجلة التنمية في ليبيا”.*

يختلط على فرد العالم الثالث، تقييم الرأي الفردي والرأي المجتمعي، وقد تمت تربية الأجيال على الاعتداد بالرأي الفردي بصورة فيها نوع من التهور الذي يشكل خطرا على الفرد وعلى الجماعة..

ربما تكون عقدة النقص المتجذرة في أجيال ما بعد الاستعمار الأبيض لدول العالم الثالث، هي السبب في التمسك المرضي بالآراء الفردانية، ومحاولة إصباغها صبغة الجماعة.
ولذلك تظهر هذه الأيام آراء معتدة بنفسها بصورة إقصائية لرأي الجماعة، ورغم ادعائها الديمقراطية إلا أنها ابتدرت هزيمة جوهر الديمقراطية بإعلانها الرفض المسبق لأي مبادرات سياسية تختارها الجماعة، وجاهرت برفضها لأي آراء وخيارات تخالف خيارها.

ومن ضمن ذلك، *محاولات الإرهاب الفكري* التي يمارسها البعض على من يريدون ترشيح المشير عمر البشير في انتخابات 2020، والعكس صحيح أحيانا ! وسخرية البعض بالقرقرة من قرارات من يفحشون في خصامهم.

بل وصل الأمر بقرقرةِ قيادية معارضة سخرت من خصمها وهي تنسى أو تتناسى أن رئيس حزبها مقيم في كرسيه *منذ الستينيات* حين كان التلفزيون بالأسود والأبيض!!

إن الحزب الحاكم حاليا له مطلق الحرية في أن يختار من يشاء ليتنافسوا داخله كي ينتخبوا رئيس الحزب في أبريل 2019، والذي يصبح بدوره مرشحا لرئاسة الجمهورية في حال لم يتم تطبيق نظام الأمين العام.
ولجميع الأحزاب حرية تقديم من تشاء وبأي آلية شاءت، ليكون مرشحها لانتخابات 2020.

فيصبح من غريب الشأن ألا تنشغل الأحزاب بآليات اختيار مرشحها الخاص بها، ولا تفكر في عقد مؤتمراتها العامة لتقدمه للناس، ثم تنشغل بمرشحي غيرها.

يتفق عالم النفس الاجتماعي – الفرنسي جوستاف لوبون مؤلف الكتاب الأشهر (سيكولوجية الجماهير) Psychology of Crowds مع عالم النفس التاريخي روبيرت ماندرو، في أن *النفسية الجماعية ليست محصلة جمع النفسيات الفردية للمواطنين،* وأن سلوك المواطن منفردا يختلف عن سلوكه مجتمعا. وهذا مما يغيب عن كثير من المعارضين الذين يربطون حالات تذمر المواطن *(المؤقتة)* بأحلام وآمال قيادات المعارضة *(الدائمة)*.

ولا تتباعد نظريات الفرنسي غوستاف لو بون العميقة المستفيدة من التراكم المعرفي الإيطالي في دراسة علم نفس الجمهور عن أسس الديمقراطية التي *تذوب فيها الاختلافات الفردية في التفكير والتحليل والشعور أمام العقلية المجتمعية.*

ومعلوم أن الإرادة الفردية في النظام الديمقراطي لا قيمة لها أمام الإرادة الجماعية حين تقرر.

إن هذا السلوك ينبغي أن يسود جميع الأحزاب، الحاكمة منها والمعارضة، *فمن لا يتأدب بأدب الشورى والديمقراطية والإذعان لرأي الأغلبية داخل حزبه، فلن يفعل ذلك في الحكومات وفي دواوين الخدمة المدنية والجهاز التنفيذي حين يحكم الشعبَ يوما* !

الرأي الشخصي يضمحل تماما أمام رأي الجماعة في النظام الديمقراطي، وتصبح لا قيمة واقعية وعملية له، ولا يغدو سوى مشاعر وانفعالات هائجة وغير منضبطة، انطلقت من شرارة رأي فردي يتشاركه مع بعض أشباهه.

ربما لهذا السبب في انصياع الفرد (النشاز) للجماعة الغالبة، لا يحدث تشاكس مخل بدولاب العمل الحكومي في الدول الأوروبية الديمقراطية، ولا تضيع كثير وقتها في النقاشات وفي الجدل، فالجميع يقول للرأي الفائز: سمعا وطاعة، *(حتى حين)*.

ولا تقوم التكتلات المعارضة هناك، بإعاقة التنمية في الدولة التي تجمع الناس، وهذا ما أشار إليه الراحل القذافي حين تمنى أن يصبح ديكتاتورا بالمعنى الموجع للدكتاتورية.

وبالطبع لا مجال للمقارنة بين أي رئيس سوداني والقذافي في ديكتاتوريته، حيث يبرز قول الحاكم و المؤرّخ الروماني *تاكيتوس*، وهو أحد كارهي الارستقراطية في سالف الزمان: *”إذا رغبتم في معرفة من الذي يتحكم بمصائركم ومشاعركم وحياتكم، فابحثوا عن الشخص الذي تترددون جدا حين انتقاده، بل لا تستطيعون انتقاده على الإطلاق”.*

أضاعت (وستضيع) المعارضة وقتا طويلا في مناقشة مسألة ترشيح المؤتمر الوطني للمشير عمر البشير كرئيس للحزب أو أحد مرشحي الرئاسة، وستضيع وقتا مهما في مجادلة خصوصيات الحزب المنافس لها والأحزاب المتحالفة معه..
وذلك في الوقت الذي يقوم فيه الحزب الكبير بمعالجة مشاكله والاستعداد المبكر للانتخابات وسد الثغرات، بما فيها الإعلان الحكومي عن أن *التصويت سيكون بالرقم الوطني، وربما الكترونيا*، (مما يغلق باكرا أبواب اتهام أي حزب للآخر بالتزوير كما يدعي الخاسرون دوما في دول العالم الثالث).

الأجدر بالأحزاب المعارضة بدل التدخل في شؤون خصومها *وابتهاجها بأزمات البلد،* أن تغير من نهجها الذي يضيع زمن الأمة السودانية، وتتعامل بواقعية، وتعقد مؤتمراتها أسوة *بالحزب الشيوعي،* وتجدد هياكلها أسوة *بحزب المؤتمر السوداني،*
وأن تتجاوز مشكلات تنزيل التنظير إلى واقع مثلما حدث من خلاف في الجبهة الثورية حين كان ينبغي نقل السلطة سلميا من الحركة الشعبية إلى حركة العدل والمساواة،
وتبدأ في حل مشاكلها الداخلية، في خطوة نحو الاستعداد للمشاركة العملية في حل مشاكل البلد التي لا ولم ولن تنتهي، سواء شاركوا في الحكم أو لم يشاركوا أو انفردوا به مستأثرين بعد عودتهم من الاغتراب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.