تأملات – سير سير يا البشير

قلم صحفي

جمال عنقرة

هذا الهتاف (سير سير يا البشير) ظهر أول مرة علي ايام الصراع في المؤتمر الوطني بين التيارين اللذين عرفا وقتها بالقصر والمنشية، وكان يقول به الذين يدعون الرئيس البشير لاتخاذ مزيد من الإجراءات ضد التيار الآخر. ولأنني كنت من التيار الآخر لم أكن سعيدا بهذا الهتاف، لا سيما وأن كثيرين من الذين كانوا يرددونه كانوا من الأرزقية غير الصادقين. ومع ذلك لم أجد غير هذه العبارة لأعضد بها ما ظللت أدعو الرئيس البشير لفعله، انحيازا للمواطن والوطن، وحماية للدولة قبل الحكومة.
ولقد جاءت قرارات الأمس ملبية لطموحات كثيرين من أهل السودان، رغم أنها لا تزال في بداياتها، ولكن كما يقول أهلنا (السايقة واصلة) وأهم ما في هذه القرارات، وفي الطريقة التي صدرت بها تأكيدها علي أن الرئيس البشير لا يزال يمسك بزمام المبادرة، علي عكس ما كان يتوهم البعض. وهي بالنسبة لي تحقق سعادة كبري، وأنا الذي ظللت مرابطا علي موقفي خلف الرئيس البشير لاستكمال ثورة الإصلاح، وتقويم المسار. وأحمد الله أن الرصاصة لم تطش، بل أصابت هدف المرحلة.
ورغم أن مجرد صدور هذه القرارات وحده يكفي للبشارة المنتظرة، لكن لا بأس من إشارات تفصيلية لبعض ما صدر. ففصل منصب رئيس الوزراء عن متصب النائب الأول صار أمرا مطلوبا بالحاح، فسعادة الكومندان الفريق أول ركن بكري حسن صالح هو من الرئيس البشير في مقام هارون من موسي عليهما السلام، ولكن تجربته في رئاسة الوزراء أثبتت أن شخصيته وطبيعته تختلف عن طبيعة المنصب في مثل هذه التحديات، فهذا الموقع في هذا الظرف يحتاج إلي (قطع ناشف) والكومندان يفكر كثيرا، ويضع حساب لكل الاحتمالات قبل أن يتخذ قراره، ولذلك تأخرت كثير من القرارات، ولقد كتبت ذلك في مقال أكثر تفصيلا قبل شهور عدة، واوصلته للكومندان الذي يعرف مكانه عندي. أما اختيار الأخ معتز موسي في منصب رئيس مجلس الوزراء فهو اختيار صادف أهله، فمعتز مكان ثقة السيد الرئيس، وأنا شخصيا أشهد له رؤي متقدمة لمعالجات إقتصادية في وقت مبكر لكنه لم يجد من يدعمه. واشير في ذلك إلي اجتماع خاص دعانا له بعض رؤساء التحرير قبل نحو أربع سنوات، استجبنا له ثلاثة، حدثنا عن مفارقة في تسعيرة الكهرباء، وصرفها، وكشف لنا عن حيين فقط من أحياء الخرطوم تستهلك من الكهرباء أكثر من استهلاك ولايات القضارف وكسلا والبحر الأحمر، وأقترح سعرا متصاعدا للاستهلاك، يثبت عند الحد الذي لا يتأثر به أكثر من 80% من سكان السودان، ويدفع الذين ينشدون رفاها زائدا قيمة هذا الرفاه، وكانت التسعيرة المقترحة من جانبه، تعالج كل مشكلات الصيانة الخاصة بمحطات توليد الكهرباء المختلفة. ولكن للأسف الشديد ما أن عرض هذه الفكرة تصدي له كثيرون من منسوبي حزبه في البرلمان والإعلام، فضاع المشروع وضاعت الفكرة، وظلت مشكلات الكهرباء تتفاقم يوما بعد يوم. فبعد أن صار معتز رئيسا لمجلس الوزراء صارت الفرصة أمامه متاحة لتطبيق مشروعاته ونظرياته الرائدة لإنقاذ الاقتصاد السوداني.
أما عودة السلطان عثمان محمد يوسف كبر لكابينة القيادة، فهي عودة للوعي، فالسطان من القيادات النادرة، وهو بحر من الحكمة، والمعرفة، وسوف يشكل إضافة حقيقية لمؤسسة الرئاسة، ولدي معه تجارب داخل السودان وخارجه، أتوقع أن تعينه في حلحلة كثير من العقد، ونكتب عن ذلك بتفصيل أكثر في مقال قادم باذن الله تعالي. واتمني أن تفتح عودة السلطان الباب لعودة كوادر من العيار الثقيل فقدتهم الإنقاذ تحت دعاوي التجديد والإصلاح المسمومة.
أما التقليص الذي طال أجهزة الحكم الاتحادية والولائية، فهو رسالة مهمة، وليست الفكرة فيما يوفره من مبالغ، ولكن العبرة في القرار نفسه، وسوف تترتب عليه إجراءات أخري. ثم يأتي حديث الرئيس عن مراجعة مشروعات التنمية وسياساتها، وهذه نكتب له فيها تفصيلا، ونستنطق آخرين من أهل الخبرة والصدق، وأرجو أن يفتح الباب للاستماع وتنفيذ مشروعات رائدة في مجال الاستثمار مثل تلك التي قدمها السيد وجدي ميرغني، والأخ خضر رضوان، وغيرهما من خبراء الاقتصاد في بلادنا. والمهم في ذلك الأشخاص خارج الدائرة، والأفكار خارج الصندوق، وبالله التوفيق والسداد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.