م . أُبي عزالدين في الجزء الثاني من حواره مع صحيفة القوات المسلحة

أبي عزالدين عوض

تشهد الساحة السودانية كثيرا من الحراك سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، فعلى المستوى الداخلي تظهر قرارات الرئيس البشير بحل حكومة الوفاق الوطني وتشكيل حكومة جديدة اتسمت بالرشاقة عكس سابقتها التي كانت حكومة واسعة ضمت من بينها ٣١ وزيرا،
كما استحدث فيها ما سمي بمنصب معتمد رئاسة في جميع الولايات، والذي تم إلغاؤه في الحكومة الجديدة.

الحكومة الجديدة وجدت قبولا من القوى السياسية المشاركة في الحوار الوطني، وذات القوى تثق في قرارات السيد الرئيس باعتباره ضامنا لتنفيذ مخرجات الحوار، مما جعل كثيرا من هذه القوى تدعم إعادة ترشيحه لدورة رئاسية جديدة، هذا إلى جانب دعم قوى أخرى ومنظمات مجتمع مدني وتجمعات لقيادات ولائية.
القوات المسلحة التقت بمدير إعلام رئاسة الجمهورية السابق وعضو القطاع السياسي بالمؤتمر الوطني المهندس أُبي عزالدين عوض، في حوار حول التغييرات في الساحة السياسية، فإلى تفاصيل (الجزء الثاني) من الحوار:

برأيك، هل تعدد وكثرة الأحزاب السياسية يمكن أن تكون قد أضرت بالممارسة السياسية ؟

▫بكل تأكيد، فحاليا تبذل الحكومة وقتا طويلا وجهدا في التفاوض مع عدد كبير من الأحزاب، وإذا كانت تجربة تقسيم الأحزاب ناجحة في فترة من الفترات، فالآن مطلوب توحد الأحزاب التي لها آيديولوجيات متشابهة في أحزاب أكبر وأقوى.
فكلما كانت الأحزاب أقوى، فهذا يصب في مصلحة الممارسة السياسية ومصلحة الوطن، ومصلحة المؤتمر الوطني نفسه لأنه سيجد منافسا قويا مما يجعله يجتهد في إخراج الحلول للواقع السوداني سواء كانت حلولا اقتصادية أو سياسية أو غير ذلك..

هناك اتهام للمؤتمر الوطني بأنه تسبب في تقسيم الأحزاب، ما تعليقك ؟

▫ هذا دليل على وجود مشكلة في الأحزاب نفسها، وأن تركيبتها ضعيفة مما أدى إلى تقسمها، ولذلك الأجدر أن نلقي باللوم أولا على هذه الأحزاب قبل المؤتمر الوطني لو صدق هذا الزعم.

قانون الانتخابات أثار كثيرا من الجدل بين القوى السياسية بسبب وصول القانون لمجلس الوزراء والمجلس الوطني، قبل أن تناقشه هذه القوى السياسية التي اعتبرت في ذلك تجاوزا لها !

▫ بحسب الدستور ليس هنالك تجاوز، وفي النهاية البرلمان هو من يقوم بإجازة قانون الانتخابات أو الدستور أو أي قوانين وتشريعات أخرى، لكن الحكومة من أجل إشراك الجميع عملت استثناء يمكن أن نعتبره غير دستوري وهو إشراك الآخرين في الحكم عبر الحوار الوطني وضمان مقاعد برلمانية لهم ووزارات مثلما حدث مع الحركة الشعبية مهرا للسلام،
ولذلك لا أعتقد أن هنالك تجاوز وبكل تأكيد سيشاور المؤتمر الوطني جميع الأحزاب للوصول إلى كلمة سواء فيما يلي قانون الانتخابات والدستور الجديد.

ما رأيك في أن كثيرا من القوى السياسية ترى أن القانون سياسي وينبغي أن تتناقش حوله وأن يصل لهذه المؤسسات للإجازة ؟

▫ دستوريا كلامهم غير صحيح، لكن يمكن أن يكون أخلاقيا صحيح ومطلبا منطقيا أن يشترك الجميع في نقاش الأمور التي تهم الدولة، مثلا موضوع الدستور الجديد غيرالانتقالي ينبغي في شأنه إشراك الجميع حتى الأحزاب الممانعة للدخول في الحوار، وحتى الذين هم مقيمون خارج السودان، والحركات المتمردة ومنظمات المجتمع المدني، ثم يكون هنالك استفتاء شعبي.

المؤتمر الوطني في انتخابات 2015 الماضية انتهج تجربة التنازل عن بعض الدوائر للأحزاب الأخرى. ما تقييمك لهذه التجربة ؟ وهل أثرت سلبا على العملية الانتخابية ؟

▫ أعتقد أنها تجربة إيجابية وطدت علاقة المؤتمر الوطني بقواعد وقيادات كثير من القوى السياسية، وأدخلت أصوات معارضة داخل البرلمان، فهناك أحزاب ليس لديها ثقل جماهيري ولكن لديها كوادر ممتازة.
هذه الأحزاب إن لم تفز في الانتخابات، يكون الوطن قد خسر كوادر وطنية ممتازة ولكنها مشتتة في عدد من الأحزاب.. وأحسب أن هذه واحدة من الأسباب التي جعلت المؤتمر الوطني يتنازل للأحزاب الأخرى صاحبة العضوية الأقل عددا، وهو نوع من نهج التحالفات التي قد تستمر في 2019 و 2010 خاصة بين أحزاب الحوار الوطني.
علما بأن الساطة المطلقة مفسدة مطلقة، وخصوصا في المجالس التشريعية القومية.

كيف تقرأ اختيار مجلس شورى المؤتمر الوطني للرئيس البشير مرشحا للحزب في انتخابات 2020 ؟

▫المؤتمر الوطني واقعياً ليس هو من ابتدر إعادة ترشيح الرئيس البشير، وإنما جاء المقترح من عدة جهات ومنظمات مجتمع مدني وتجمعات قاعدية في الولايات ومنذ وقت أبكر بكثير من توقيت مجلس الشورى، وكذلك عدد من الأحزاب رأت أن البشير هو ضامن تنفيذ مخرجات الحوار الوطني وعبرت عن ذلك بتجمعات وبيانات واضحة، وتبرر لحرية رأيها هذا وخيارها، ومنها قناعة الرئيس الحالي بجوهر فكرة الحوار وإشراك جميع الأحزاب والحركات في حكم الوطن دون إقصاء لأي حزب أو فئة، فبعض كوادر وقيادات وعضوية المؤتمر الوطني غير مقتنعة بذلك، وترى أن الفيصل هو الانتخابات فقط حتى ولو فاز حزب واحد بنسبة ١٠٠ % من كل المناصب والمسؤوليات والدوائر الجغرافية.
رؤية البشير حاليا هي أن نفسح المجال للآخرين من الأحزاب والحركات ليشاركوا، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، فإن اختيار رئيس جديد ليس معني بالتفاهمات الداخلية ورؤى قيادات أحزاب المعارضة فقط، وإنما له علاقة بتحليل علاقات وتحالفات المنطقة، فالبشير مثلا هو مقبول حاليا اقليميا في محور قطر وفي محور السعودية، إلى حين توحد الأشقاء مرة أخرى..
كما أنه مقبول أيضا لدى المحور الافريقي، حتى الدول التي كانت بيننا وبينها توترات وصلت للصدام العسكري مثل يوغندا ومصر وتشاد وحتى دولة جنوب السودان التي رعينا سلامها، كل هذه الدول تستضيف الرئيس البشير حاليا عدة مرات في العام وتدعوه في جميع مناسباتها وهناك زيارات متبادلة على الدوام، فهذه دلالات لنوع العلاقة وما يعول عليه صناع السياسات في المنطقة.
فالبعد الاقليمي ينبغي أن نضعه في الاعتبار، فلربما تكون مغامرة في الوقت الراهن أن ندفع بمرشح جديد للرئاسة، في اقليم هش، قد يجد فيه المرشح الجديد رفضا اقليميا من دول الجوار يؤثر سلبا على استقرار السودان..

هنالك حديث بأن هذا الاختيار أحدث توترات داخل الحزب. ما صحة ذلك ؟

▫ لا توجد توترات. بل هنالك تباين آراء، وهذا أمر طبيعي في حزب كبير فيه عدد من العضوية يقارب الخمسة ملايين عضو في جميع ولايات السودان.
فلا يمكن أن يتفق الجميع داخل المؤتمر الوطني على شخص محدد.
وفي العام ٢٠١٤ قبل انتخابات ٢٠١٥ كانت لدينا انتخابات داخلية في الحزب ترشّح فيها ما يقارب ال١٣ مرشحا إلى جانب البشير، وكانت انتخابات حرة بين العضوية لاختيار مرشح الحزب الذي نقدمه كمرشح لرئاسة البلاد.
وكانت الآراء الداخلية متباينة جدا أكثر من اليوم، ومع ذلك لم يحدث توتر أو انشقاق، والآن الأمر يتكرر وبتماسك أكبر داخل الحزب.
هذه المرة لم يتقدم حتى اليوم أي مرشح، وفي المرة السابقة ترشح بكري حسن صالح وحسبو عبدالرحمن وعلي عثمان وابراهيم غندور و نافع علي نافع والشريف بدر والأستاذ مهدي ابراهيم.

ذكرت أن السيد الرئيس مقبول في المحيط الاقليمي خاصة المحيط العربي. كيف تقرأ مشاركة السودان ضمن التحالف العربي أو الإسلامي لدعم الشرعية في اليمن ؟

▫ المشاركة جاءت انطلاقا من أن السودان دخل في تحالفات جديدة، وتمت قبلها مراجعة في السياسات الخارجية.
وقبل حوار الوثبة كان هنالك حوار داخلي في الحزب الحاكم استمر لعدة أشهر وخرج بوثيقة الإصلاح والتطوير، هذه الوثيقة فيها جانب متعلق بالعلاقات الخارجية، حيث تمت دراسات و مراجعات لأثر أدائنا الخارجي على أوضاعنا الداخلية..
ومنها تمت إعادة تشكيل بعض التحالفات لمصلحة الوطن الجامع مع استمرار الاجتهاد لمسك العصا من الوسط حفاظا على العلاقات مع جميع الأطراف المتضادة.

وقبل عمليات عاصفة الحزم التي تحولت في أبريل ٢٠١٥ إلى عمليات إعادة الأمل، بدأت تتحسن بصورة كبيرة جدا مع السعودية والإمارات بالموازاة مع تحسن مسارات التفاوض مع أمريكا خروجا من عنق الزجاجة الاقتصادية كما كان يفترض.
وكانت الحالة مع السعودية والامارات أشبه بالتحالف الاستراتيجي، جاء ذلك بموازاة الشكوى في السودان من محاولات فرض توجهات عقدية غير سنية على المجتمع السوداني وحدوث اختراقات خارجية وممنهجة ومدعومة، مهددة للأمن الفكري والعقدي للمجتمع السوداني،
وهذه أدت إلى أن السودان انحاز تماما للمحور السني في المنطقة قاطعا أي تحالف فيه دول غير ذلك،
وتلك كانت من أبرز الأسباب التي جعلت السودان يشارك في مسألة إعادة الشرعية في اليمن، فهي تتويج لعدة معطيات اجتمعت آنذاك،
وأتذكر أن الإعلان للتحالف الجديد ولانطلاق العمليات العسكرية قد تم من داخل السعودية بحضور السيد الرئيس البشير، في الوقت الذي لم تكن كثير من مخابرات دول المنكقة على علم بما يدور، أو أن هنللك تخطيط لمرحلة عاصفة الحزم،
وهذا دليل إضافي كذلك على المكانة الكبيرة التي تضعها دول المنطقة للسيد الرئيس البشير ولقواتنا المسلحة ومخابراتنا واستخباراتنا وللسودان عموما.

في ذات سياق العلاقات الخارجية، كيف تقرأ زيارة الرئيس مؤخرا للصين، ومشاركة السودان ضمن الدول العربية المشاركة في المنتدى الصيني الافريقي ؟

▫ أعتقد أنها كانت زيارة ناجحة جدا، وفيها عدد من الإشارات، منها علاقة السودان المنسجمة بالدول الافريقية وقوة هذه العلاقة وتركيز الدبلوماسية الرئاسية على العمق الافريقي كواحد من أولوياتها.
ثانيا هذه الزيارات الخارجية تهزم فكرة ما تسمى بالمحكمة الجنائية الدولية، وأصلاً الدول الكبرى ليست موقعة عليها مثل الصين وأمريكا وروسيا.
أيضا في هذه الزيارة تم التوقيع على عدد كبير من الاتفاقيات المهمة لإعادة العلاقات مع الصين إلى سابق مجراها قبل توترات الديون وقبل انفصال جنوب البلاد عنا.

ذكرت أن هذه الزيارة تهزم فكرة المحكمة الجنائية، كيف تقيّم مواقف الصين تجاه السودان في المحافب الدولية ؟

▫ مواقف الصين معظمها جيدة، وربما في بعض الأحايين كانت تمتنع عن التصويت في المحافل الدولية. وبعد أن تم سؤال الصين عن دوافع ذلك، كانت تبرر بأنها ترى من الضروري أن يخاطب السودان الظول الخليفة قبل اجتماعات مجلس الأمن أو الأمم المتحدة ويطلب من حلفائه في كل مرة اتخاذ موقف إيجابي بعينه، وألا نتوقع تلقائيا أن تقف معنا الدول الحليفة في كل محفل دون جهد وتحرك مسبق ومبكر من طرفنا.
فلا زال السودان يتلمس طريقه متدرجا في إدارة شؤون التحالفات الاقليمية والدولية.

هذه هي المشكلة الوحيدة بالنسبة لمواقف الصين تجاهنا، وتمت معالجة هذا الأمر بصورة أو بأخرى، وأصبح السودان يثوم بما عليه قبل اجتماع لهذه المنظمات الدولية، عبر عدة مسارات منها الدبلوماسية الرئاسية، ودبلوماسية الخارجية، والدبلوماسية البرلمانية والشعبية…
وهذا اتجاه صحيح، ولكن يحتاج مزيدا من التجويد والتنسيق والتطوير لمصلحة البلاد.

كثير من الناس يرون أن علاقة السودان مع الصين مربوطة بقضية النفط، برأيك هل يمكن أن تكون هذه العلاقة قد تأثرت بذهاب النفط مع دولة جنوب السودان ؟

▫ بالتأكيد ! .. في النهاية هي علاقة مصلحة، لأنه ليس هنالك رابط آيديولوجي أو تاريخي أو جغرافي أو ديني أو لغوي أو اجتماعي بين السودان والصين ! فبالتالي العلاقة بين الدولتين في حقيقتها هي علاقة مصالح وحسابات بالورقة والقلم فقط، ولذلك نجد أن استثمارات الصين في اثيوبيا وجنوب السودان يمكن أن تكون أكبر بكثير منها في السودان.
ولكن المشكلة هي أننا ركزنا مع الصين في جانب النفط فقط، لذلك في المرحلة المقبلة يجب أن نركز على جانب البنيات التحتية الضخمة والحقيقية، وأن يتركز الاستثمار مع الصين أو تركيا على تمويل وتنفيذ المشاريع العملاقة فقط للبنى التحتية في جميع الولايات، وكذلك المشاريع الزراعية والتصنيع الزراعي.

أيضا للسودان أدوار كبيرة في القارة الافريقية، كيف تقرأ دور السودان في أزمة جنوب السودان وتقريب وجهات النظر بين الفرقاء الجنوبيين ؟

▫ ما حدث في العاصمة الخرطوم وبقية العواصم الافريقية يؤكد على الخبرات العالية للكوادر السودانية وكفاءتها، كما يدلل على ثقة الأفارقة والمجتمع الدولي الافريقي في كوادر بلادنا رغم أن دولة جنوب السودان خرجت من السودان بعد حرب دامية، ورغم ذلك كان الأفارقة والجنوبيون واثقين من وساطة الحكومة السودانية.
وهذا مؤشر جيد جيدا في عالم السياسات الخارجية، الأمر يتجاوز هنا محيط القارة السمراء إلى العالم كله بأنه يمكن الصقة في مصداقية وقدرات رجال وسيدات السودان، وأنهم يمكن أن يقوموا بأدوار إيجابية فاعلة وفعالة في فض النزاعات القارية وفي حفظ السلام الاقليمي.

وفي الختام، في ظل الظروف التي تمر بها دولة الجنوب، برأيك هل يمكن أن يستفيد السودان من نفط الجنوب الذي يعبر عن طريق السودان ؟

▫الفائدة ستكون في رسوم العبور، ولكن الفائدة الأكبر والأهم هي أن يحل السلام والأمن في دولة جارة وشقيقة بالنسبة بنا، ووسط قوم كانوا جزءا منا ومن دولتنا جميعا، وهذه فائدة معنوية أكبر من الفائدة المادية.
وإن حلول السلام والتنمية في دولة الجنوب سيكون بكل تأكيد في مصلحة السودان وشعبي البلدين التوأمين، علما بأن هنالك الكثير من اللاجئين الذين يرحب بهم السودان ويستضيفهم على أرضه ووسط شعبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.