جبل مره :سحر الطبيعة وبوابة السودان السياحية

جبل مره :سحر الطبيعة وبوابة السودان السياحية

تقرير – رقية الشفيع

يعتبر جبل مره بغرب السودان من اجمل مناطق الجذب السياحي ، حيث يأتيه السياح من مختلف انحاء العالم لاجل الاستمتاع بجمال الطبيعة الخلابة والمناخ المعتدل والبيئة النقية ، التى يغفل عنها الكثيرون كوجهة سياحية عربية افريقية اصيلة ومميزة يمكن ان تحتل مكانة عالمية بقليل من الجهد لاتاحة الفرص للمستثمرين واصحاب العمل داخليا وخارجيا .

لتصوير هذه اللوحة الجمالية ، كان لابن المنطقة ، الاستاذ محمد احمد منصور الشائب امين لجنة الطرق والجسور بالمجلس الوطني ممثل دائرة جبل مره ، حديث( لسونا ) عن روعة وجمال المكان وعظمة وتفرد الانسان قائلا: كثير من الشعوب صارت تستكشف عوالم غير عوالمها والسودان بما يمتلكه من تاريخ وحضارة ضاربة في القدم ، ومقومات بشرية وطبيعية متمثلة في التنوع الثقافي والاجتماعي واختلاف العادات والتقاليد كل هذه المعطيات يمكن ان تسهم في تطوير السياحة البحثية ، وذلك بالاستفادة من وسائل التقانة الحديثة ، لذا يستوجب عليه ابراز هذا المخزون الكبير الذي يذخر به في شتي ضروب الحياة ، في امر يمكن ان يساعد في دعم الاقتصاد الوطني والتعريف بطبيعة احوال وحياة الناس في تلك المنطقة وبالنظر الي جبل مرة نجده يمتلك كل مقومات الجذب السياحي المتفرد في أهم مجالين هما الزراعة والاستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلابة والتي تتمثل في الينابيع والبحيرات الطيور بانواعها المتعدد والنادرة ومناظرها الجميلة اضافة الي الحيوانات البريه بانواعها ، وتسلق الجبال .

اما الجانب الزراعي وخاصة البستاني حيث توجد انواع كثيرة من الزهور الموجودة منذ زمن بعيد ، و تنفرد بها منطقة جبل مره عالميا فقد بذلت جامعة زالنجي مجهودا مقدرا بالاهتمام بها والعمل علي توطينها.

هذه الزهور تزين المنطقة بجمال طبيعي خلاّب بوجودها في مناطق مرتفعة مدرجة وبين الصخور وفي اعلى القمم وهي انواع نادرة من الزهور تنتشر في الصخور وتشكل مشهدا في غاية الجمال ويزيد المنظر روعة في أنواع الزراعة على المدرجات الجبلية ووجود الشلالات

يضاف إلى ذلك الغطاء الأخضر الممتد على مد البصر وغابات الصنوبر واشجار البان المتشابكة ، ويمتزج كل ذلك بتراث إنساني عميق وممتد عبر التاريخ، وهي تعتبر منطقة أثرية إضافة للبُعد السياحي فيها الأمر الذي يجعلها منطقة عالمية في هذا المجال.

جبل مرة عبارة عن مجموعة من قمم بركانية يرتفع إلى 3000 متر. وهو يقع في ثلاثة ولايات شمال وغرب دارفور وتمثل ولاية وسط دارفور المساحة الاكبر في زالنجي ونيرتتي حاضرة جبل مرة حيث يوجد بها اكبر مراكز البحوث الزراعية ومشاتل للفواكه التي اشتهرت به تلك المنطقة وهي ( العنب والتين والخوخ والكمسرة والبرتقال والتفاح ) الي جانب النباتات الغابية كما تعتبر من افضل المناطق في السودان لزراعة القمح والموالح بانوعها والمحاصيل البستانية والخضروات كما يوجد بها اجود انواع الثوم والبهارات في العالم ، ومايميز جبل مره ان هذه المحاصيل تزرع ثلاثة مرات في العام ( الموسم الزراعي الواحد) لتعدد المناخات حيث يسود مناخ البحر الابيض المتوسط والمناخ المعتدل وشبه الصحرواي و تهطل الأمطار في كل فصول السنة مما يتيح الفرصة لنمو الكثير من الأشجار مثل الموالح والتفاح والأشجار الغابية المتشابكة، كما أن الأمطار الغزيرة توفر إمداداً مائياً مستمراً للأراضي الزراعية مما يجعل تربتها صالحة لزراعة الذرة والدخن . كما يتميز بجود العديد من الفواكه والموالح التى تنمو عليه نظرا لمناخه الذى يساعد على ذلك وغيرها من المحصولات الزراعية، .
يوجد بالجبل العديد من أنواع النباتات التي ينفرد بها عالميا ، بالإضافة الى مجموعات كبيرة من الحيوانات النادرة والأليفة في منطقة قلول ذات الغابات الكثيفة والشلالات الدائمة إلى جانب منطقة مرتجلو وبها أيضا شلال جذاب وتكثر فيه أنواع من القرود والحيوانات البرية الأخرى ومنطقة سوني المرتفعة التي توجد بها استراحة عريقة إضافة إلى منطقة ضريبة وهي تمثل الفوهة البركانية للجبل وتوجد بها بحيرتان وبالمنطقة توجد حظيرة الردوم القومية وتتميز بوفرة الحيوانات البرية والطيور فيها، إذ إن الحركة السياحية لم تطرقها بصورة مكثفة، كما توجد بالإقليم بحيرة كندى التي تمثل واحدا من أكبر تجمعات تكاثر الطيور بانواعها المختلفة ، المتوطنة والمهاجرة ويوجد بها بشكل كثيف الإوز والارانب والبط والحبارى والغزان التي تسير مسرعة في شكل قطعان يمكن ان تفوق سرعتها سيارة تسير بسرعة 140 كلم في الساعة كثير من .

وهنالك محمية وادي هور التي تزخر بأنواع كثيرة من الحيوانات البرية بجانب الآثار القديمة وبها المياه الكبريتية في عين فرح وكذلك مناطق وادي أزوم التي تصلح لهواة التصوير وهواة المغامرات والطبيعة الوعرة
. يتميز جبل مرة بأنه مأهول بالسكان، وبالقرى الطبيعية الجميلة التي تنتشر حتى قمة الجبل وفي السفوح ومن الغريب ان الحيوانات التي تعيش في قمم الجبل لاتتكاثر اطلاقا و تربي للتسمين فقط ، لذا نجد ان سكان الجبال من الرعاة يقوموا بوضع حيواناتهم في مراعي علي السفوح و الوديان لاجل التكاثر ، ويعتبر الوادي الاخضر من اهم مناطق الجذبِ السياحي للكثير من الزائرين بحكم هجرة الطيور اليه للتمتع بالمناظر الطبيعية والمناخ المعتدل والبيئة النقية. وتوجد به منطقة البحيرة التي تمثل نقطة الجاذبية لايستطيع طائر او انسان التحلق فوقها وقد شهدت سقوط عدد من الطائرات ومن غرائب البحيرة ان بها مياه عذبة و مياه مالحة ومياه بارده ومياه ساخنة في ان واحد ، ورغم الدراسات والابحاث من مختلف خبراء الجيولوجيا والمعادن وطبقات الارض لم يتوصل العلم الي معرفة طبيعة وتركيب جبل مره حتي الان ، ومن المناطق المميزة ايضا منطقة طور تبعد 160 كلم عن مدينة كاس ،فقد قامت شركة المانية في العام 1983 بتشيد طريق سبق طريق الانقاذ بعشر سنوات ادراكا منها باهمية هذه المنطقة سياحيا واقتصاديا .

اما اكثر المناطق جمالا وروعة في منطقة قلول التي تعتبر من اجمل المناطق علي الاطلاق ويمكن ان تكون منطقة جذب ومنتجع للعرسان والرحلات الجماعية ورحلات الطلاب والاسر التي يوصفها الاستاذ الشائب بانها اذ يتوسط الشلال غابات البان المتشابكة ناثرا مياهه في شكل رزاز يصل الي بعد مائة متر بالاتجاهات الاربعة ومنظر الطيور متدليه من اشجار البان ، كل طائر في عشه يختلف شكلا ولونا عن الاخر واستراحة محاطة بالغابات واشجار الصنوبر والبان يمكن ان توفر كل ادوات التغيير وكسر الملل .

ويصف ذلك متسائلا ؟ كيف يذهب السودانين للسياحة والتمتع بمناظر الطبيعة من اماكن اقل منها بكثير ، واكد علي ضرورة تعريف المناطق السياحية والاثرية بتضمينها في المنهج الدراسي لتربية النشئ علي حب الوطن وتشجيع السياحة الداخلية وعدم البحث عن الترفيه والسياحة في مناطق اقل منها بكثير ومن المناطق الجميلة ايضا منطقة سوني غرب الجبل والتي زارها الرئيس الاسبق الفريق ابراهيم عبود كاول رئيس يزور المنطقة بعد الاستقلال .

اما الرحلة الاولي كانت لعمالقة الطرب في الستينيات لجبل مره ، بقيادة الموسيقار المرحوم محمد وردي و الاساتذة كابلي وابوعركي وخليل اسماعيل فكانت رحلة عملية لاقامة حفلات لصالح برنامج مكافحة العطش بولايات دارفور ، فإنبهر هؤلاء الفنانين بسحر وجمال الطبيعة و نظم فيه الشعراء الكثير من الدرر ومن النصوص الشعرية التي ما زال يتغنى بها المطربون. فهناك ما أنشد مغنياً به بصوته الرخيم مثل الراحل خليل إسماعيل في أغنيته المشهورة (لو شوفت مرة جبل مرة يعاودك حنين طول السنين تتمنى تاني تزوره مرّه).. (ومن الأغنيات التي تعبّرعن جمال هذه المنطقة أغنية «مرسال الشوق» التي كتبها الفنان عبد الكريم الكابلي وأهداها للفنان أبو عركي البخيت وتقول كلماتها: «مرسال الشوق يا الكلك ذوق، أغشى الحبان في كل مكان، وقول ليهم زرنا جبل مرة، وعشنا اللحظات حب ومسرة، بين غيمة تغازل ضل زهرة، وخيال رمانة على المجرى» ويغني الفنان خليل اسماعيل أغنية خالدة يقول فيها: «في سوني بغرب الجبل.. تشعر كانك جوة جنة.. سوني العروس في كرنفال.. مزدانة في روعة ونضار. عالم عجيب وجمال سحرنا) ، ربما ما ذكرناه من صفات وجبل مرة بحسب الكثيرين يمثل نسبة فارقة الأهمية في مستقبل السودان لما يتميز به ولما يملكه من إمكانيات من مناخات ومن خيرات، لها تأثيرها الكبير في الخارطة الاقتصادية والسياحية المحلية منطقة جبل مره منطقة تذخر بكثير من معادن ومن موارد نفيسة اهمها واليورانيوم،الي جانب الغاز والذهب الي جانب احتياطي كبير من المياه الجوفية وغيرها من الموارد الطبيعية. وتعتبر من أغنى مناطق السودان بمواردها الطبيعية والبستانية والمعدنية والغابية ومواردها البشرية، خاصة وأن مساحة الجبل تبلغ عشرة آلاف كيلو متر وهو في مناخه يشبه مناخ البحر الأبيض المتوسط. وهي منطقة جذب سياحي من الدرجة الاولي كانت ترتاده مجموعات أوربية وعربية ومحلية بالاضافة إلى الينابيع المائية المنحدرة من قمة الجبل ذات السحر الأخاذ، بطبيعة الجبل وبإنسانه الأصيل الذي يمتلك مقدرات عالية في تطويع الطبيعة .

ويقول ان كثيرا ما تحدث براكين ينتج عنها هزات ارضية ينجم منها ينابيع تغير مسار المياه ، فقد استطاع انسان جبل مره تغير مسار المياه من اسفل الي اعلي وبدون رافعات فقط بمدرجات عبارة عن جداول صغيرة يقوم بتمرير المياه عبرها في شكل حلزوني من غير ان ترجع ،لري الاراضي الزراعية في مدرجات وبين كل مجري واخر توجد منطقة خصبة صالحة لزراعة كل المحاصيل .

مازال الحديث لابن المنطقة ، الاستاذ محمد احمد منصور الشائب أذ وصف الحياة في مناطق جبل مرة بالمثالية من حيث الاعتماد على الطبيعة في الغذاء والمياه النقية الصحية حيث يعتمد الناس فيها على الزراعة التي لا تحتاج لأي إضافات كيميائية، إلى جانب الهواء الطبيعي المنعش وينابيع المياه التي تستخدم في العلاج لذا نجد ان كل سكان الجبل والسفح معمرين يمكن ان يعيش الانسان لاكثر من 140 عاما وهو يتمتع بصحة جيدة لا يشكو من اي علة او مرض ، يتمتع بسمعه وبصره ويقرا ويكتب القران بخط يده ويحفظه عن ظهر قلب ، بل وتجده في هذه السن يربط فروته علي وسطه وينزل لمزاولة اعماله الزراعية ورعاية اغنامه وابقاره ، ويرجع ذلك ان انسان الجبل مرتب ومنظم في طرق حياته و غذاؤه فهو يتناول وجباته الثلاثة بانتظام فيكون الافطار في السادسة صباحا وغالبا مايتكون من عصيدة الدخن الذي يشكل عنصرا غذائيا مهما لانسان دارفور عموما وانسان الجبل علي وجه الخصوص ، اضافة الي الدخن يعتمد اعتمادا كبيرا علي تناول الفوكهه بانواعها المتخلفة التي تتوفر بشكل كبير وطبيعي طول ايام السنة ، ويتمتع انسان الجبل بمقدرات مذهلة و كبيرة في طريقة حفظ الطعام بمواد طبيعية اذ تستطيع المراة حفظ الملاح المطبوخ لاكثر من سته اشهر وذلك بتجفيفه بطريقة معينة باضافة بعض التوابل الطبيعية تمكنها باضافة ماء ساخن اعادته كانه طبخ اليوم بكل خواصه وطعمه ، كما تقوم بتجفيف الطماطم بطرق تحمل كل مواصفاتها وطعمها بمجرد اضافة الماء اليها ، الي جانب ذلك يقوم المزارع بحفظ ثمار البرتقال وتخزينها باشجارها من غير ان تتساقط بعد نضجها وذلك بري الاشجار بقليل من الماء بنظام التنقيط وهذا النظام اكتشف حديثا واستخدمه العالم لمعالجة شح المياه لكن انسان جبل مره استخدمة منذ قديم الزمان لحفظ الثمار في اشجارها .
المنطقة لا تضم قبائل دارفور المعروفة وحدها، بل هي نسيج اجتماعي فريد يضم معظم قبائل السودان، وتعتبر بذلك منطقة حضارة متكاملة وثقافات متنوعة انصهرت في الإطار العام للتكوين الثقافي والاجتماعي الموجود في دارفور وهي تمثل المخزون الاستراتيجي من حيث انتاج المحاصيل الغذائية لاول مملكة اسلامية في افريقيا قبل اكثر من خمسة قرون وهي مملكة الفور بسلاطينها الذي تعاقبوا علي الحكم ولعبوا دورا مهما في تثبيت دعائم الحكم وكساء الكعبة الشريفة وخدمة الحجاج وكانت معبرا لحجاج غرب افريقيا ، منطقة جبل مره تضم مقابر هؤلاء السلاطين وبها اكبر مسجد شيد في عهد المملكة ، انسان جبل مره كريم واصيل بسيط ومتسامح يتقبل الاخر ويحمل كل الصفات السودانية الجميلة، كثيرمن سكان القري الجبلية لم ينزلوا السفح ابدا ظلوا علي سطوح الجبال في قراهم الي ان توفوا بعد طول عمر. .

يواصل الاستاذ منصور الشائب أن المنطقة يمكنها أن تحقق عائدا اقتصاديا كبيرا إذا تم تطويرها من حيث البنى التحتية والخدمات السياحية، خاصة كونها تجمع بين مقومات الطبيعة البكر والحياة البرية والإنسان الكريم المتسامح الذي يتقبل الآخر وتتمثل فرص الاستثمار في المنطقة في زيادة الطاقة الإيوائية وتأهيل وتحديث القرى السياحية في جبل مرة وإقامة معسكر سياحي دائم بالردوم وإنشاء مركز رياضي في جبل مرة لممارسة رياضة تسلق الجبال إضافة إلى إقامة فنادق علاجية في مناطق المياه الكبريتية

أن الإمكانات الموجودة في جبل مرة لم تستغل حتى الان ، تحديدا المحاصيل البستانية والفواكه التي يمكن ان تغطي السوق المحلي ويصدر الفائض الذي سيسهم في دعم الاقتصاد ، علي سبيل المثال نجد ان طن الطماطم صغير الحجم الذي تكثر زراعته في الجنل ، يباع في اوربا باربعة الف دولار وهو مرغوب بشده هناك ، فلو تمكنا من استغلال هذا المحصول لوحده لحققنا عائدا مجزيا اذ يحقق الطن الواحد مايعادل 80 برميل بترول ويمكن ان نقيس علي ذلك ، فهذه المنطقة تحتاج الي اهتمام و جهد من كل ابناء السودان داخل وخارج البلاد ورجال الاعمال والمستثمرين حتي نستفيد من هذا المورد المهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.