بالقلم السيال – التغيير بالتدمير!

قلم صحفي

علي أتبرا يكتب

ليس من الحكمة السكوت في موضع الكلام. وليس من العدل أن يكتب كاتب الرأي منحازا للمشاعر أو الشعارات. وإنما إعمال العقل والانحياز للحقيقة هو ما ينبغي أن يكون عليه من تصدى لهذه المهمة المقدسة.

أذكر في أوائل الألفينات بعد أن ضرب المتمردون مطار الفاشر وبعد صيانة المطار ذهبنا كوفد مقدمة على رأس جسر جوي من عشرين طائرة تحمل أدوية ومواد إغاثة للمتضررين في مدينة الفاشر. وكانت الطائرة التي تقلنا مستأجرة من إحدى الشركات الخاصة وكان طاقم الطائرة ال(Crew) من كرواتيا. فلما حللنا مطار الفاشر وكان في استقبالنا الأستاذ عثمان محمد يوسف كبر المعين حديثا واليا على ولاية شمال دارفور وانتظر عند سلم الطائرة حتى نزل الطاقم الكرواتي. ولما رأى كابتن الطائرة الكرواتي ست طائرات محروقة ومتفحمة في أحد جوانب المطار سأل بلغة انجليزية بسيطة
Simple English
كيف احترقت هذه الطائرات؟! فأجابه أحدنا: حرقها المتمردون. فسأل: هل هم سودانيون؟! فقيل له: نعم هم سودانيون (حتى النخاع) والأخيرة دي من عندي أنا الذي لم أكن المجيب عليه. فبكى الكابتن بكاء شديدا وقال كيف يدمر المواطن ممتلكاته؟! وتأثر كل الطاقم أما نحن حضرات السادة المواطنين السودانيين فقد أعجبنا بوطنية الكرواتي وكدنا نقود مظاهرة نردد فيها هذا الشعار: (بالروح بالدم نفدك يا كرواتيا) فالوطنية عندنا في الحناجر والبلاعم ولا وجود لها في الوجدان!

من حق المواطن أن يحتج وأن يخرج بغرض إسقاط الحكومة أو إجبارها على تعديل سياسات ما أو قرارات ما أو تعديل حالة أمنية أو أوضاع معيشية… ولكن ليس من حق أحد الاعتداء على الممتلكات العامة أو الخاصة بالتدمير والتكسير والحرق والنهب كما حدث في الأيام الماضية. كما أن الإفراط في استخدام القوة من بعض أفراد القوات النظامية محسوب هو الاخر في الخانة السالبة في إطار المعالجة. وأما من يشعل النار في ممتلكات الشعب أو الجماعات أو الأفراد فلا أسف على ما يصيبه. وليس من حق المحتجين السلميين أن يشكلوا له دروعا بشرية وحماية لأفعاله الإجرامية. فلو قام هؤلاء السلميون بالقبض على المخربين وتسليمهم للسلطات وقامت السلطات بحماية المتظاهرين لكنا أمة تستحق التقدير والتغيير للأفضل.

ذلك الكرواتي لم يغن ولا وقت لديه أن يغني: (أعز مكان.. وطني كرواتيا) ولا (أنا كرواتي أنا) ولا (أنا هنا شبيت ياوطني.. زيك مالقيت يا وطني) ولا (كرواتي.. الجوة وجداني بريدها) ولا (وطنا.. ال بإسمك كتبنا ورطنا) لكنه أكثر وطنية من (أوطن) سوداني يتفاصح بالوطنية بينما هي لا وجود لها في وجدانه. وإلا لماذا تتساهل السلطة مع المفسدين الذين (أذنا) كثيرا وقلنا إنهم سيوردون الوطن والمواطن المهالك. ولماذا يحمي المتظاهرون السلميون المخربين وهم يدمرون ممتلكات الشعب؟! أن يحرق أحدهم مخزنا للذرة مثلا، فليعلم أنه لا يقل إفسادا عن المحتكر بل ربما تفوق عليه أو من المؤكد أنه تفوق عليه مع أن الأول يستحق المحق والسحق والثاني يستحق ما يستحق الأول.
ونحن سواد الشعب الذاهل مما أوصلتنا إليه الحكومة! المندهش من دعاة التغيير بالتدمير! هل كتب علينا أن نضيع ويضيع وطننا بين القطط السمان والقطط الجائعة؟!

لك الله يا سودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.