رؤى – هكذا تُعاد الثقة في النظام المصرفي

هيثم محمود

هيثم محمود
في الربع الأخير من العام 2018 دخلت البلاد في أزمة سيولة غير مسبوقة.. دون سابق إنذار اختفت النقود وذهب العملاء لسحب أموالهم من المصارف التي استأمنوها عليها، فوجدوا أن البنوك تمنعهم نقودهم التي أودعوها لديها واستأمنوها عليها.
المبررات التي ساقتها الدولة عن أن الكتلة النقدية لا تتناسب مع تنامي الاقتصاد غير مقبولة، ولا يسندها منطق.. إذ إن الدولة لا يمكن أن تكتشف فجأة أن سيولتها أقل من حجم اقتصادها إلا إذا كانت تتعامل بسياسة رزق اليوم باليوم.
أزمة السيولة أدت لإفرازات سيئة كشراء النقود وكسر الشيكات في عمليات ربوية أدخلت (المحقة) في تعاملاتنا المالية، بالإضافة لانخفاض قيمة الجنيه مقابل الدولار الذي قارب الـ (90) جنيهاً بالشيك.. أزمة السيولة أصابت الاقتصاد بالشلل، وجعلت الموظف يقضي سحابة شهره في صفوف الصرافات بحثاً عن راتب لا يكفيه لأسبوع.
كتبنا من قبل أن أزمة السيولة من أسبابها الرئيسية استدانة الدولة من البنوك، إذ إن المشروعات الاقتصادية التي قامت مؤخراً تم تمويلها من البنوك ولم تلتزم الدولة بالسداد، وبالتالي أصبحت البنوك لا تستطيع توفير أموال العملاء.
عامل رئيسي في أزمة النظام المصرفي هو الفساد الذي ضرب النظام المصرفي في مقتل، وعمليات التمويل الوهمي والرهن بأسعار غير حقيقية.. جميع هذه الأسباب جعلت أموال عملاء البنوك في مهب الريح، وجعلت سجن الهدى يضج ويعج بالسجناء الذين (لهطوا) المليارات بسبب فساد البنوك وتلاعب الموظفين.
حيثيات قضية رجل الأعمال الشهير، فضل محمد خير، التي تم بموجبها فصل مدير بنك الخرطوم ومشاكل التلاعب في حصائل الصادر التي ذهب بسببها مدير بنك فيصل، ليست ببعيدة عن الأذهان.. وغيرها من قضايا التلاعب بأموال البنوك في تسويات جعلت النظام المصرفي يتهاوى ويقترب من الانهيار.
بنك السودان الذي تعاقب عليه عدد من المحافظين في فترة وجيزة حتى أصبحت الفئة الواحدة من العملة تحمل أكثر من (4) توقيعات.. فشل في كبح جماح الدولار بسبب قصر نظر بعض المديرين والموظفين الذين ليس لديهم قدرات ولا إمكانات تؤهلهم للجلوس على قمة النظام المصرفي.
مع بداية هذا العام شرع محافظ بنك السودان (القديم المتجدد)، محمد خير الزبير، في طرح سياسات اقتصادية جديدها تهدف لتحقيق النمو المستدام وخفض معدلات التضخم وإعادة الثقة للجمهور الذي جعلته أزمة السيولة يدق آخر إسفين بينه وبين البنوك.
لن يستطيع البنك المركزي كبح جماح التضخم ولن يحقق استقراراً في سعر الصرف، ولن ينجح في إعادة الثقة للجمهور والعملاء ما لم يغير سياساته العرجاء وسلطته المنقوصة تجاه البنوك.
مؤسسة لا تملك سلطة إعفاء مدير بنك ماذا ينتظر منها؟ أما الحديث عن زيادة موارد البلاد من النقد الأجنبي، فقد مللنا سماعه دون أن يتحقق.. فكل ما يفعله بنك السودان هو استلام المعونات والودائع التي لا يتجاوز دور المحافظ فيها التوقيع فقط.
نحتاج لإدارة تمتلك الإبداع والتخطيط السليم والعمل بنظرة مستقبلية لا سياسة رزق اليوم التي ظل ينتهجها البنك المركزي.. إعادة الثقة للجمهور لا تتم إلا بتوفير السيولة الكافية للعملاء، فما الذي يمنع الاستدانة من النظام المصرفي بطباعة العملة وشراء الذهب بأعلى سعر وبـ(الكاش) من أجل زيادة موارد البلاد من النقد الأجنبي والحد من التهريب الذي تشجع عليه سياسات بنك السودان الحالية.
إعادة الثقة للنظام المصرفي تتطلب سياسات تكبح جماح الدولار وإجراءات قوية تضبط التمويل المصرفي بالإضافة لطباعة عملات كبيرة لمعالجة أزمة السيولة الحالية وتوفير النقد للبنوك، بتفعيل سياسة الدفع الإلكتروني وتعميمها على كل مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، وجعلها شرطاً لتصديق أي مكان تجاري أو شركة.
لن تنجح سياسات بنك السودان ما لم يُعد النظر في بعض مديري البنوك الذين وصل ببعضهم الأمر لتمويل أشخاص بلا ضمانات سوى مذكرة داخلية تحمل توصية بأن الأخ الكريم يملك رصيداً وافراً من الأعمال الصالحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.