رؤى – وجع الولادة

هيثم محمود

هيثم محمود
درج زعيم حزب الأمة الإمام الصادق المهدي على اختيار كلماته وعباراته بعناية فائقة .. وغالباً ما يستخدم المهدي الأمثال والمقولات الشعبية التي يفيض بها جرابه، بفعل الثقافة الشعبية الكبيرة للإمام.. لذا فجميع تصريحات المهدي تشغل الساحة السياسية وتمكث بها ردحاً من الزمن.
حينما انتظر الناس رأي الإمام في المظاهرات والاحتجاجات التي تنتظم البلاد، وصفها المهدي بـ(دخان المرقة)، الذي شغل الساحة السياسية والاجتماعية وانقسم الناس حوله بين ناقم وساخر ومؤيد.
تصريح (دخان المرقة) رغم غرابته إلا أنه أكد نضج الإمام وقراءته الواقعية للساحة السياسية، رغم أنه أكثر المتضررين من النظام وأكثرهم حرصاً على العودة لكرسي السلطة، أمس ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بتصريح مختصر للإمام الصادق المهدي يتحدث فيه لأنصاره الذين سألوه عن رأيه في المظاهرات وتأثيرها في إسقاط الحكومة، فوصف المهدي المظاهرات بقوله (ده ما وجع ولادة).
من المؤكد أن تصريح الإمام (إن صح أو لم يصح) سيجلب عليه السخط والإساءة من المناضلين والمعارضين.. وما أكثر الشتائم والعبارات السوقية التي انتشرت هذه الأيام انتشار النار في الهشيم وأصبحت جزءا أصيلا من أدبيات النضال.. فلا يكتمل انتقاد الوضع عند بعضهم إلا بسب العقيدة، ولا يتم اغتيال الشخصيات سياسيا إلا بتسجيلات تصف قادة الحكومة بأبشع الصفات وأسوأ العبارات وأقبح الكلمات الموغلة في الانحطاط.
كتبنا من قبل وانتقدنا أداء الحكومة وفشلها في إدارة الاقتصاد والذي تسبب في أزمات الخبز والوقود والنقود.. وأمنا على حق المواطن في التظاهر والتعبير عن رأيه، وواجب السلطات في حماية المظاهرات السلمية التي لا تخرب مرفقا ولا تغلق شارعا ولا تدمر الممتلكات العامة والخاصة.
وحتى لا يزايد علينا أحد فإننا ومن أول يوم أكدنا موقفنا الواضح من حق المواطن في الاحتجاج والتظاهر وفقا للدستور، ورفضنا استخدام القوة المفرطة في فض المظاهرات، وكذا نرفض بشدة العبارات المسيئة والهتافات المستفزة فالعنف الذي لم ولن يؤدي إلا لمزيد من العنف.
إذا اتفقنا علىحق المواطن في التظاهر والتعبير عبر عن رأيه، وحق الشباب في أن يثور على الوضع.. ولكن قبل ذلك أليس من حق الثائر أن يعرف من الذي يقود الثورة؟ أليس من حق المتظاهر أن يعرف من يقوده في المظاهرات ومن يخطط لها؟. لا نريد أن نقول من يدعمها ويمولها، لأن الإجابة الظاهرة هي أن هذه المظاهرات لا تحتاج لتمويل ولا لغرف ولا لتخطيط ولا لمسارات وطرق تُحدد وتُرسم بعناية، بل لرسالة وبوست من الفيسبوك يحدد مكان (الكتمة)!.
المظاهرات التي خرجت ترفع شعار تغيير النظام، ولكن هنالك سؤال يحتاج لإجابة بهدوء.. هل يعرف كل متظاهر قيادته وهدفه وبديله حال سقوط النظام؟.. لنفترض أن هذه المظاهرات استطاعت إسقاط الحكومة فماذا سيجني الشباب الثائر والمتظاهر من كيكة السلطة، وما هو الجسم الذي يمثل الشباب وهل ستتحقق المطالب بين عشية وضحاها ؟.
هذه الأسئلة تحتاج لإجابات بهدوء بلا صراخ أو عويل أو إساءة للكاتب أو النظام.. فالضائقة المعيشية كبيرة جداً والفساد استشرى بشدة، واعترفت الدولة بذلك ولكن هل سيصبح السودان جنة عدن عقب زوال النظام؟.
ثمة سؤال آخر للمتظاهرين والثوار، هل تعتقدون أن التغيير الذي تهدف له المظاهرات سيتم بكل سهولة ويسر، وأن السودان سيستقر وسيستسلم قادة وأعضاء النظام للثوار بسهولة ويسر استعداداً (للدوس)، تنفيذاً للشعار الذي يتردد في كل المظاهرات (أي كوز ندوسوا دوس).
الواقع أن هنالك جهة ما هي المخطط والمدبر والمنظم والمستفيد الأول من هذه المظاهرات، استغلت الوضع الاقتصادي السيء في حشد جزء من المجتمع ضد الدولة، وأقنعته بسهولة اقتلاع النظام، إلا أن الواقع يؤكد قول المهدي (ده ما وجع ولادة).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.